
وقف الوقت في تلك اللحظة، وتجمدت الدماء في عروقي وأنا أرى نظرات “ريم” وهي تتهاوى أمامي كشجرة عاتية كسرها الخذلان. لم تكن النظرة مجرد خجل من سرٍ كُشف، بل كانت صدمة العمر في الرجل الذي ظنته أمانها والسند الذي ستحتمي به من قسوة الدنيا. ساد صمت رهيب في الممر، صمت أثقل من كل الكلمات، قبل أن تنفجر “ريم” في بكاء هستيري يمزق القلوب، وتسقط على الأرض وهي تغطي وجهها بيديها المرتعشتين.
في تلك اللحظة بالذات، استوعبت حجم الجريمة التي ارتكبتها في حق زوجتي. لم يكن الأمر سحراً ولا خيانة كما توهمت أمي بصخبها، بل كان ابتلاءً صحياً ونفسياً يعاني منه الكثيرون في صمت قاتل: حالة سلس بول ليلي ناتجة عن ضعف في الأعصاب وتوتر شديد. كانت تعاني من مشكلة طبية بحتة، وبدلاً من أن تجد في بيتها ومستقرها الأمان لتفصح عن آلامها، دفعها الخوف من الفضيحة والنظرة المجتمعية القاسية إلى حمل هذا العبء المأساوي وحدها كل ليلة، تغسل همومها ودموعها مع كل قطرة جافيل في أنصاف الليالي.
قام والد ريم برفع بنته من الأرض بحنان الأب الفجعان، ونظر إليّ والدموع في عينيه قائلاً بصوت يعصره الألم: “كنت فاكر إنك راجل هتصونها وتسترها لو فيها عيب، مش تطلع سرها لأمك وتفضحها قدامنا.. ريم عندها المشكلة دي من وهي صغيرة بسبب صدمة نفسية قديمة، وكنا بنعالجها، ولما اتجوزتك كانت خايفة تخسرك.. بس الظاهر إنها خسرت كرومتها ونفسيتها قبل أي حاجة.”
أخذ أهل ريم ابنتهم وغادروا البيت، وانسحبت أمي وهي تشعر بوطأة الذنب بعد أن أدركت حجم الحماقة التي ارتكبتها بتسرعها وسوء ظنها. بقيت وحدي في الشقة الفارغة، أسترجع كل ليلة كانت تقوم فيها ريم مرعوبة من الفجر، كل مرة حاولت فيها أن تبتسم في وجهي وهي تخفي وجعاً كبيراً في قلبها.
أدركت حينها أن المشكلة لم تكن قط في الفوطة أو السلس البولي، بل كانت في قلة وعيي وغيابي كزوج وسند لم يستطع أن يوفر لزوجته مساحة من الأمان تجعلها تتحدث دون خوف. ذهبت إلى بيت أهلها بعد أيام، واعتذرت لها أمام الجميع، وبدأنا رحلة العلاج الطبي والنفسي معاً يداً بيد. تعلمت من هذا الدرس القاسي أن السكن الزوجي لا يعني فقط مشاركة اللحظات السعيدة، بل يعني أن تكون الستر والحصن المنيع لعيوب وشكوى شريك حياتك قبل أي أحد آخر.




