أخبار

سقوط القناع وبداية الفجر

تجمّد خالد في مكانه، وبدت ملامحه كمن تلقى صفعة أطاحت بكل ما بناه من أوهام طوال حياته. التفت ببطء شديد نحو أمه، التي كانت تتهرب من نظراته وعيناها تجوبان أركان الغرفة بذعر لم يسبق له مثيل. تراجعت العجوز خطوة إلى الوراء، وحاولت استجماع قوتها ولسانها السليط الذي طالما كسر العظام، لكن الكلمات خانتها هذه المرة، واكتفت بتمتمة مبهمة: “خالد ولدي… ما تصدقهمش… هاذم يحبوا يفرقوا بيني وبينك”.
تقدم المحامي “محسن” بخطوات واثقة، وفتح المظروف الأصفر بحسم، مستخرجاً منه مجموعة من التقارير المالية الموثقة، وقال بنبرة هادئة ومرعبة في آن واحد: “أستاذ خالد، القضية أكبر من مجرد دار مسجلة باسم الوالدة. الحساب البنكي السري اللي تفتّح باسم زوجتك نورة من غير علمها، مشيت فلوسه مباشرة لخلاص أقساط الدار هذي من ست سنين. والأخطر من هذا، الكشوفات تثبت إنو الوالدة كانت تاخذ في مبالغ ضخمة شهرياً من حساباتك وحسابات المدام، وفي نفس الوقت كانت قاعدة تصب في حساب ادخار خاص بيها تحت اسم مستعار، والفلوس هذيكا هي بيدها اللي تم بيها تمويل مشاريع تجارية صغيرة باسم ولد أختك!”.
ساد صمت رهيب في المكان، صمت لم يقطعه سوى أنفاس خالد المتسارعة التي تحولت إلى ما يشبه الحشرجة. نظر إلى أمه، المرأة التي ضحى من أجلها ببيته، بزوجته، وبمستقبل ابنه سليم، المرأة التي طالما ادعت الفقر والمرض لتمتص دماء زوجته الكادحة. صرخ خالد بصوت هز أركان البيت، صوت يملؤه قهر الرجال وخيبة الأمل القاتلة: “أمييييي! أحكي معايا! الكلام هذا صحيح؟! الدار دارك؟ والفلوس فلوس نورة؟! ست سنين وأنا نسرق في مرتي ونحرم في ولدي باش نرضيك؟! ست سنين وأنتِ تقوليلي جيعانة ومريضة؟!”.
ارتمت أمه على الأريكة باهتة، وحاولت تمثيل دور الضحية كعادتها، وعصبت رأسها بوشاحها وهي تئن: “آه يا راسي… ظلمتوني… عيادي يا خالد، صدق أمك…”. لكن هذه المرة، لم تنفع دموع التماسيح. تقدم عونا الشرطة بخطى ثقيلة، وأشار أحدهما إلى خالد قائلاً: “أستاذ خالد، أنت موقوف بتهمة التزوير، واستخدام بطاقات بنكية دون علم صاحبها، والاستيلاء على أموال الغير. تفضل معانا للمركز لاستكمال التحقيق”.
التفت خالد إليّ وعيناه تفيضان بالدموع، وجثا على ركبتيه في مشهد ذليل، يترجاني بصوت مكسور: “نورة… أمانك… سامحني… ضيعت نفسي وضيعتكم في جرة الطمع… نورة على خاطر سليم…”. نظرت إليه من علياء كبريائي، لم أشعر بالتشفي، بل بالشفقة على رجل رهن رجولته وحياته لخدعة دامت سنوات. انحنيت نحو ابني سليم، وحملته بين ذراعيّ، ومسحت دموعه وهنست في أذنه: “توا كبرنا يا روحي، والشر خرج من دارنا”.
التفتتُ للمحامي وقلت له بثبات: “أستاذ محسن، كمل الإجراءات القانونية الكل. قضية الطلاق، وقضية التعويض، وقضية التزوير. ما عادش عندي حتى ذرة رحمة للي خان ميثاق الدار”. قاد الشرطة خالد وهو يلتفت وراءه ويبكي كطفل طردوه من الجنة التي لم يكن يستحقها، وتبعتهم أمه وهي تجر أذيال الخيبة والعار، تدرك أن قناع “المسكينة” سقط إلى الأبد، وأن القضاء سينتزع منها كل مليم أخذته بالباطل.
أغلقت الباب خلفهم بقوة، صوت قفل الباب كان يعلن بداية حياة جديدة ونظيفة. وضعت سليم في سريره، وعدت إلى الصالون، نظرت إلى الطاولة الفارغة إلا من الملف الأسود. جلست، وأخذت نفساً عميقاً لأول مرة منذ سنوات، شعرت بالراحة والدفء يغمران أركان فيلتي. لقد انتهى الكابوس، وبزغ فجر الحقيقة التي دفع ثمنها الخائنون… ونمت تلك الليلة وأنا أعلم يقيناً، أن من يزرع الخديعة، لا يجني سوى الريح.

زر الذهاب إلى الأعلى