
في أحد الأحياء التونسية العتيقة، حيث تختلط رائحة القهوة بصوت الحكايات القديمة، دارت قصة تبدو مألوفة في ظاهرها… لكنها تخفي بين تفاصيلها الكثير من الدروس والعبر.
في دار كبيرة تسكنها “الحما” مع أبنائها الثلاثة وزوجاتهم، كانت الحياة تسير بشكل عادي… أو هكذا يبدو. لكن خلف الأبواب المغلقة، كانت المشاعر تتضارب، والصمت أحيانًا يخفي أكثر مما يُظهر.
الحما، امرأة قوية الشخصية، عاشت عمرها في الكفاح، وكانت ترى أن احترامها واجب لا نقاش فيه، وأن الكنة الصالحة هي التي تطيع وتلتزم دون اعتراض. أما الكناين الثلاثة، فلكل واحدة منهن طريقتها الخاصة في التعامل مع هذه القواعد غير المعلنة.
الأولى كانت هادئة، تميل إلى الصمت، تنفذ ما يُطلب منها دون نقاش، حتى وإن كان ذلك على حساب راحتها. كانت تعتقد أن الصبر هو الحل، وأن السكوت سيجنبها المشاكل.
الثانية كانت أكثر دهاءً، تعرف متى تتكلم ومتى تصمت، تتقن فن التوازن، وتُحسن كسب ودّ الحما دون أن تخسر نفسها تمامًا.
أما الثالثة، فكانت مختلفة تمامًا؛ صريحة، لا تقبل الظلم، وتؤمن أن الاحترام يُبنى على الصدق لا على الخوف.
ذات يوم، قررت الحما أن تضع حدًا لكل ما يدور في الخفاء. أعلنت عن عزومة كبيرة، وقالت بنبرة لا تخلو من التحدي: “غدوة نشوف شكون فيكم تستاهل تكون سيدة الدار.”
مرت الليلة على الكناين ثقيلة.
الأولى لم تنم، انشغلت بكل التفاصيل، عملت بصمت، وأرهقت نفسها إلى أقصى حد.
الثانية خططت ليومها بدقة، قسمت العمل، وحرصت على أن يكون كل شيء في مكانه دون أن تُرهق نفسها.
أما الثالثة، فكان لها رأي آخر… اقترحت أن يتقاسمن العمل، لأن الدار ليست مسؤولية واحدة فقط.
جاء يوم العزومة، امتلأ البيت بالحركة، الضيوف توافدوا، والأكل كان حاضرًا بأفضل صورة. في الظاهر، كل شيء كان مثاليًا… لكن الحما لم تكن تراقب الأطباق، بل كانت تراقب القلوب.
لاحظت تعب الكنة الأولى، وانكسارها الصامت.
ورأت في الثانية ذكاءً، لكنه ممزوج بحذر واضح.
أما الثالثة، فرغم حدّة كلامها، كانت حاضرة، تساعد، وتدافع عن حقها وحق غيرها.
عند نهاية اليوم، جلست الحما بصمت، وكأنها أعادت حساباتها كلها. ثم قالت جملة غيّرت كل شيء:
“الدار ما تقومش على الطاعة العمياء… ولا على الحيلة… تقوم على الصراحة والقلب الكبير.”
في تلك اللحظة، أدركت أن القوة لا تعني القسوة، وأن الاحترام لا يُفرض بل يُبنى. اقتربت من الكنة الأولى واعتذرت لها عن قسوتها، وأثنت على ذكاء الثانية، ثم نظرت إلى الثالثة بنظرة مختلفة، فيها شيء من الفهم وربما الإعجاب.
منذ ذلك اليوم، تغيّر الكثير في تلك الدار. لم تختفِ الخلافات تمامًا، لكنها أصبحت تُحل بالحوار بدل الصمت أو المواجهة القاسية. وتعلمت الحما قبل الكناين أن العائلة لا تُدار بالأوامر… بل بالتفاهم.
العبرة من الحكاية:
في البيوت التونسية، كما في كل مكان، لا يكفي أن نعيش تحت سقف واحد… الأهم أن نتقاسم الاحترام، ونفهم بعضنا قبل أن نحكم. فبعض الكلمات قد تُشعل الخلاف… لكن كلمة صادقة واحدة قد تُنهيه.
-
خلف أسوار الوفاء.. عندما تكشف الأوراق مستور الخديعةمنذ 37 دقيقة
-
ابتسامة عند المأذون… وسقوط خلف القضبان! 😉🔥منذ 9 ساعات








