
نحن نعيش في مجتمع يعتقد فيه البعض أن الصمت ضعف، وأن التغاضي استسلام، لكن الحقيقة التي لا يفهمها الكثيرون هي أن الصمت قد يكون أعظم درجات الانتقام وأكثرها قسوة. عندما قال لي الطبيب إن أمي أصبحت بحاجة لرعاية خاصة كاملة بعد الجلطة، وأنها لن تستطيع الحركة أو خدمة نفسها مجددًا، شعرتُ وكأن السقف قد انهار على رأسي. اتصلت بشقيقي “سامر” لنتقاسم المسؤولية، لكنه اعتذر بتوتر مدعيًا أن ظروف عمله وزوجته لا تسمح باستقبالها، وأن شقتهم ضيقة. في تلك اللحظة بالذات، انجلت الحقيقة البشعة أمامي كالشمس؛ أخي وزوجته اللذان كانت أمي تحسب لهما ألف حساب بفضل أموالهم، تخلوا عنها في أول اختبار حقيقي، بينما كنتُ أنا الخيار الوحيد المتبقي.
عدتُ إلى المنزل وأنا أحمل همًا يعجز الجبال عن حمله. تجرأتُ ولأول مرة منذ سنوات وطلبتُ من “مريم” أن تتنازل وتساعدني في العناية بأمي المشلولة، مرجّيًا إياها بصلة الرحم والإنسانية. نظرت إليّ مريم بنفس النظرة الباردة التي ألقتها عليّ يوم السابع من فبراير لعام 2016، وقالت بكلمات نزلقت كالموس على قلبي: “طارق.. أنا ممرضة وأعرف أصول الرعاية الطبية، سأضمن لك أن تأتي لها بأفضل الممرضات، وسأشرف على علاجها ومواعيد أدويتها بنفسي من باب الإنسانية وتقوى الله، لكنني لن ألمس جسدها، ولن أخدمها بيدي، ولن تتلقى مني كلمة ود واحدة. البيت الذي طردتني منه يوماً كأني فم إضافي يأكل من خيركم، لن أدخلها بيتي لأكون خادمة لها اليوم”.
كانت تلك الكلمات هي القاضية. استوعبتُ حينها أن زوجتي لم تكن تعاقبني طوال ثماني سنوات، بل كانت تبني جدارًا يحمي كرامتها التي أُهدرت أمام عيني دون أن أحرك ساكنًا. أحضرتُ أمي لتطير بين جدران شقتنا، أراها كل يوم تنظر إلى “مريم” بعينين ملؤهما الندم والكسرة، تتمنى منها كلمة طيبة أو ابتسامة حنونة، لكن هيهات؛ فبعض الجراح لا تندمل، وبعض الكسر لا يجبره الاعتذار المتأخر 💔.
الآن، أعيش في بيت واحد مع امرأة تقوم بكل واجباتها كزوجة وأم على أكمل وجه، لكن روحها غائبة عني تمامًا. تجلس أمي على كرسيها المتحرك تطالع الفراغ، بينما أعيش أنا بضياع بين بر أمي المريضة وزوجتي التي فقدتُ قلبها إلى الأبد. تعلمتُ الدرس ولكن بعد فوات الأوان: إن القسوة والظلم دين لا بد أن يُرد، وأن الكرامة إذا جُرحت لا تعود كما كانت، ولو مرت عليها دهور.
شاركونا رأيكم في هذه النهاية بالتعليقات، وهل ترون أن مريم كانت محقة في موقفها أم كان يجب عليها المسامحة؟ ولا تنسوا الصلاة على النبي الكريم ❤️




