
وقفتُ في وسط الغرفة والورقة ترتجف بين أصابعي، ودقات قلبي تضرب في صدري كأنها طبول الحرب. كان المخطط واضحاً ونذلاً، أرادوا إخراجي من بيتي الذي بنيته بعرقي وشقاي، وتجريدي من كل أوراقي وثائقي ليضعوني أمام الأمر الواقع، لكنهم نسوا أن من يبني بيتاً يعرف كل زاوية مظلمة فيه، ويعلم أين تُخبأ الأسرار.
قبل أن أجد تلك الورقة الملعونة الملقاة تحت السرير، كنت أفتش في الخزانة العلوية عن صندوق مجوهراتي الصغير. هناك، وفي أقصى الزاوية الخلفية بين الأغطية القديمة، عثرت على وثيقة رسمية وكناش حسابات بانكاجي باسم سامي، ومعه أوراق نقل ملكية ومحاضر تفتيش لم أسمع بها من قبل. السر الذي كان يخفيه راجلي العزيز ووالدته طوال هذه السنوات لم يكن مجرد دين بسيط أو قروض عادية، بل كان سامي مهدداً بتتبع قضائي كبير بسبب شيكات دون رصيد وقضايا تحيل في شركته القديمة، وكان مطالباً بدفع مبالغ مالية خيالية في ظرف أيام معدودة!
الخطة لم تكن مجرد إخراجي من الدار، بل كانوا يخططون لبيع الشقة التي أملكها أنا بعقود رسمية، مستغلين توكيلاً قديماً أعمى كنت قد وقعته لسامي في بداية زواجنا بدافع الحب والنية الطيبة، لكي يرهنوا الدار ويدفعوا ديونه الغارمة، ثم يرمونني في الشارع بعد أن يفصلوا كل أملاكي ويحرمونني من حقوقي!
مسحت دموعي بسرعة، وبدأت حرارة الغضب تتسلل إلى جثتي. أخذت الهاتفي وجمعت كل الأوراق والوثائق القاتلة التي وجدتها، وضعتها في حقيبتي اليدوية، وأخذت نفساً عميقاً. اتصلت بوالدي وبأخي المحامي، وقلت لهما كلمتين فقط: “تعالوا لي للدار فوراً ومعكم أوراق التوكيل القيمة”.
بعد نصف ساعة، دخل سامي للدار وعلى وجهه تلك الابتسامة الباردة التي ظن بها أنه انتصر، وكانت أمه تقف خلفه كأنها قائد يشرف على الغنيمة. نظرت إلى عجوزتي وابتسمت ابتسامة أبرد من خاصتها، وقلت لها بصوت ثابت هز أركان الصالة: “يا لالة، الورقة متاعك طاحت تحت السرير… والأوراق متاع القضايا والشيكات متاع ولدك بقاو فوق الخزانة!”.
تغير وجه عجوزتي في لحظة، وسقطت أكياسها من يدها، بينما شحب لون سامي وصار كالميت. أخرجت الهاتف وأريتهم صور الملفات الكاملة، وقلت بثقة: “غداً الصباح، التوكيل سيتم إلغاؤه في البلدية، والدواسات هذه ستكون في مكتب وكيل الجمهورية إذا لم تعد لي كل وثائقي في هذه اللحظة، والدار هذه ستغلق في وجوهكم إلى الأبد”.
عرفوا وقتها أن اللعبة انتهت، وأن السحر انقلب على الساحر، وأن المرآة التي حاولوا كسرها كانت أصصلب من كل مكايدهم.




