أخبار

دموع على عتبة الجحود: وعد الثامنة عشر وسر الصندوق الأزرق

خرجت من دار المسنين وأنا شادة في يد سارة بقوة، كأنني شادة في الحياة بيدها الطفولية اللي كبرت قبل وقتها. أول ما خطفت رجلي عتبة الباب البراني، شميت هواء نظيف ما شميتوش عندي عام كامل، هواء خالي من ريحة المعقمات والوجع والانتظار الطويل. تلفت ورايا لآخر مرة، غزرت للشبابك المسكرة نتاع الدار ودعيت في قلبي لكل أم وأب خلوهم أولادهم هناك يعانيوا في الصمت، وتمنيت من كل قلبي يجي الكاتب ويتحل عليهم الباب كيف ما صار معايا اليوم. ركبنا في التاكسي وسارة ما سيبتليش يدي اللحظة كاملة، كانت تغزرلي وتتبسم ودموع الفرحة ما زالت شادة في رموشها، وتقول لي بصوت حنين: “يا مماتي، الكابوس تعدى، وتوا باش تبدأ حياتنا الجديدة، وباش نرجعلك كل قدر وقيمة تستحقهم في الدنيا هذه”.
الأيام اللي جاو مبعد ما كانتش ساهلة بالكل، ودخلنا في معركة المحاكم والمحامين اللي مرجتنا برشا. بنتي ما استسلمتش بسهولة، حاولت في الأول تهدد سارة وتضغط عليها باش تسحب القضية، وحتى جتنا لدار الكراء الصغيرة اللي كرتها سارة بفلوس خدمتها في الليل، وبدأت تبكي وتطلب في السماح وتدعي اللي هي عملت هكاك على خاطري وباش تضمنلي عيشة باهية ورعاية طبية ما أقوى. كان منظرها يوجع القلب؛ بالرغم من كل الشر اللي عملتو فيا، تقعد بنتي اللي كبرتها بدم جوفي وسهرت عليها الليالي، والكبش ما يولي لية والدم ما يولي ماء. أما سارة كانت صندادة وواقفة كيف الجبل، وقفت قدامها وقالتلها بلهجة حاسمة: “الدموع هذه ما عادش تقضي يا أمي، القضاء هو اللي باش يرجع لكل حد حقو، واللي يبيع أمو ما عادش عندو وهر الشرف”. وبالفعل، المحكمة كشفت التزوير والتحيل اللي صار في التوكيل بمساعدة المحامي الشاب، والدار رجعت لملكيتي قانونياً بعد أشهر من الجري والتعب. بنتي لقت روحها في موقف خايب برشا، خسرت القضية والدار، وسمعتها تبلبزت بين العائلة والجيران، وبقت معزولة تعاني في الندم والفضائح نتاع طمعها.
رجعنا لدويرتنا القديمة، البلاصة اللي فيها ريحة ذكرياتي وضحكات بنتي وهي صغيرة قبل ما يعمي الطمع قلبها، البلاصة اللي تعبت وشقيت باش بنيتها طوبة بطوبة. سارة كانت تقسم في وقتها بين قرايتها في الجامعة وخدمتها في السوبرماركت، وبين تلهيتها بيا وبدوايا. كل عشوية، نطيبوا مع بعضنا كاس تاي منعنع دافئ، ونقعدوا في السقيفة نحكيوا ونضحكوا ونسترجعوا الأيام الطيبة. في عيد ميلادي، جابتلي سارة الصندوق القديم اللي فيه الوصية والذهب نتاعي اللي منعتو من يدين أمها، وحلتو قدامي وقالتلي وعينيها تلمع بالحب: “يا مماتي، هذا رزقك وتعبك، وأنا ما حاجتي بفلوس، حاجتي بيك إنت بركة تقعدلي حية وتدعيلي برضاك”. غزرتلها وعيني تغرغرت بالدموع، وفهمت اللي الدنيا هذه تدور وتدور، والخير اللي تزرعو في شيرة، مستحيل يضيع، حتى كان غاب على جيل وفسد، باش ينبت في الجيل اللي مبعدو ويفوح ريحتو الطيبة. عشت مع سارة في أمان وراحة بال، وعرفت اللي العائلة مش بالورق والدم بركة، العائلة هي القلوب الصافية اللي تصون الوفاء وماتبيعش العشرة في أول منعرج نتاع طمع ودنيا فانية ✨.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى