أخبار

انتقام بارد على قمة لم يطأها كبرياؤه

لكن المفاجأة التي لم يكن يتوقعها حسام ولا حتى في أشد كوابيسه سوداوية، لم تكن في مجرد لقاء عابر، بل في الهوية الحقيقية للمرأة التي تقف أمامه اليوم.

​عندما اقترب مني بخطواته الواثقة، ظناً منه أنني مجرد زائرة مبهورة ببريق نجاحه، أو ربما طليقة مكسورة جاءت تستجدي عطفه بعد أن دارت به الدنيا، التفتت إلينا رئيسة مجلس إدارة المجموعة الاستثمارية العالمية المستضيفة للمؤتمر. وبكل فخر، أشارت إليّ أمام جمع من كبار المهندسين ورجال الأعمال وقالت: “نرحب بالمهندسة والمستثمرة الأولى التي أنقذت مجموعتنا في شمال إفريقيا، والشريكة الاستراتيجية التي تملك الكلمة الفصل في مشاريعنا القادمة”.

​في تلك الثواني، رأيت الدم يهرب من وجه حسام. تلاشت ملامح الكبرياء والغرور، وحلت مكانها صدمة مرعبة زلزلت كيانه. الرجل الذي تركني يوماً لأنني “أغسل ديار الناس” ولا أليق بمقامه الجامعي، وجد نفسه فجأة يقف كمجرد موظف صغير ينتظر منذ أشهر إمضاءً واحداً مني لتجديد عقده السنوي، وإنقاذ شركته من الإفلاس.

​لم أنتقم منه بالصراخ، ولم أذرف دمعة واحدة، فالدموع جفت في ذلك اليوم البعيد على عتبة بيته. سحبت ملفه المهني من بين الأوراق بكل هدوء، تصفحته بنظرات باردة كالثلج، ثم نظرت مباشرة في عينيه المرتعشتين وقلت بنبرة واثقة هزت القاعة:

​“سيد حسام.. أرقامك الهندسية ممتازة، لكننا في مجموعتنا لا نوقع عقوداً إلا مع من يملكون أمانة ومبادئ لا تباع. ومن يسهل عليه خيانة السند الذي بنى لحمه وعظمه وأوصله إلى القمة، يسهل عليه بيع شركائه في أول منعطف يعترض طريقه. طلب تمويل مشروعك مرفوض كلياً.. يمكنك المغادرة.”

 

​حاول أن يتكلم، تملعثمت الكلمات في فمه، وبدت عليه ذلة لم أرها فيه قط، وكأنه استوعب في تلك اللحظة فقط حجم الجريمة التي ارتكبها في حق نفسه قبل أن يرتكبها في حقي. لم يرَ أمامه المرأة التي تشققت يداها من أجل شهادته، بل رأى امرأة قوية، شامخة، صنعت من حطام الماضي إمبراطورية نجاح، وجعلت من خذلانه وقوداً لتصعد إلى قمة شاهقة لا يمكن لكبريائه المزيف أن يطأها أبداً. تركته واقفاً يصارع سقوطه الحتمي وسط الحشود، ومشيت بخطوات ثابتة نحو مستقبلي، معلنة نهاية حكايتي بأعظم انتقام: أن تصبح شخصاً لا يمكنهم الوصول إليه مجدداً، حتى في أحلامهم.

زر الذهاب إلى الأعلى