أخبار

السر المدفون تحت بلكونة حي النصر

وقفت في شارع حي النصر والمطر يصب خفيف، نحس في روحي كإنّي ناكل في طريحة من غير ما يمسني حد. الهوا البارد مسّ وجهي، والكلمة متاع الراجل قعدت تدور في وذني كيف الصدى: «خطتنا ماشية كيف ما نحبوا بالضبط.» طلعت الدروج بشوية بشوية من غير ما نعمل صوت، وقفت ورا باب الصالة اللي كان محطوط على شطر، وقلبي يضرب في المية.
هناك كانت الصدمة الكبيرة اللي طيحتلي إيدَيّ للماء. الراجل الكبير اللي ينادي للالة دوشة بـ«يا ختي» ما طلع حد آخر غير عمها، والناس اللي دايرين بالطاولة هوما ولد عمها اللي كان يعيش في فرنسا وعيلته. أسمع فيهم يحكيو ويضحكوا على دارنا وعلى راجلي مصطفى! لالة دوشة كانت تطعم فيهم من خير داري ومن عراقي، وباش تغطي على ولد عمها اللي طالع من حبس وعلى ظروفه المادية المخنوقة، كانت تجيب في الماكلة كل يوم وتكذب على عيلتها وتقول لهم اللي هي تخدم وتصرف عليهم من عرق جبينها باش تعوضهم على الأيام الخايبة. أما الكارثة الأكبر، أنها كانت تحضر في لعبة باش تخلّي ولد عمها يرجع ياخذ بايه في أرض ورثة العيلة اللي مصطفى راجلي كان حاطط إيده عليها وكاريها، وكانت تستغل في غفلة ولدها وبساطة عقلي أنا باش تلمس الأخبار وتبني ملف كامل ضده من غير ما يفيق حد.
في اللحظة هذي، استرجعت أنفاسي ودفعت الباب بكل قوتي. الدار سكتت ضربة واحدة، والكسكسي اللي كان في فم ولد عمها قعد وحل في حلقه. لالة دوشة وجهها أصفر كيف الليمونة وقفزت من بلاصتها: «شكون جابك هنا يا بنيتي؟!» غزرتهالها بعين قوية وقلت لها بصوت يرعش من الغش: «جاني الخير اللي تسخايل روحك تفرّق فيه على الزواولة… صحة وبالشفاء، أما الكسكسي هذا آخر صحفة تاكلوها من يدي، والحقيقة الليلة باش تقعد على الطاولة قدام مصطفى.»
روحت للدار وناديت لراجلي وقعدته قدامي. حكيت له كل شيء بالتدقيق، من الساشيات لحي النصر للحقائق اللي سمعتها بوذني. مصطفى في الأول ما صدقش، أما كي مشى معايا وواجه أمه وعيلته، تكشفت الأوراق الكل. لالة دوشة تبكات واتمسكنت، أما الموقف كان أسبق من الكذب. من نهارها، خرجنا أنا ومصطفى نكريو وحدنا بعيد على اللعاب والمشاكل، وتعلمت درس عمري ما ننساه: مش كل شكون يتبسم في وجهك ويقول لك «يعطيك الصحة» نيتو صافية، وساعات الأقارب يعطيوك الطعنة في الظهر وأنت تحسب فيهم يعملوا في الخير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى