أخبار

دماء على عتبات القصر

قيت الكرهبة رابضة في مكانها قدام باب الجامعة، ومحركها يزن كيف الوجيعة الصامتة في صدر فراس. الحقيقة صدمته صدمة خلات الدنيا تدور بيه؛ الطفلة المكسورة اللي خوه وسيم يتمنيك عليها الصباح، وأمه مدام نيرة مخرجة عينيها فيها، تطلع ياسمين؟ بنت عمته زكية، الطفلة اللي كانت تملأ الدنيا بالضحك واللعب نهار اللي كانوا صغار في بلادهم الكاف؟ كيفاش دار الزمان وتبدلت الأحوال، ولقت الطفلة الحرة روحها خدامة باللقمة وفي دار خالها؟
الغضب اللي في داخله تحول لبركان قادم مش باش يخلي وراه حتى حد. عروق يديه تشنجت على الفولان، وعينيه بقوا مسمرين على باب الفاك حتى لين خيال ياسمين غاب وسط زحمة الطلبة. في اللحظة هذيك، تذكر تفاصيل كلام أمه: “أنتِ هنا خدامة وبس… عمار (فراس) ينجم يسخف عليك، ووسيم عينيه زايفة”. الكلمات هذه كانت كيف الملح فوق جرح غارق ومفتوح. أمه، اللي تظهر قدام مجتمع العاصمة وسيداتي وسادتي بطابع الرقي والإنسانية، طلعت تخبي ورا القناع هذا قلب من حجر، قست على طفلة يتيمة وجيعتها مازالت خضراء على أمها.
فراس خدم الكرهبة بقوة وخرج يجرّ في الكياس، وصوت العجالي يعمل الفران وسط الطريق. عقله كان يطبخ، والسيناريوهات الكل تدور في راسه. لازم يرجع للقصر، لازمه يواجه الحقيقة، أما في نفس الوقت تذكر نظرة ياسمين المكسورة وكلماتها اللي تقطع القلب: “أمانك يا ولد خالي… ما تقول لحد”. لو كان يتكلم توا، أمه باش تطردها في الشارع وتهدملها مستقبلها وجامعتها. ولو كان يسكت، كيفاش ينجم يشوف بنت عمته تذل روحها وتهز الغبار من تحت ساقين ناس ما يرحموش؟ كيفاش باش يتحمل يشوف خوه وسيم يتقرب منها بخباثة؟
وصل قدام القصر الكبير، الباب الحديدي الضخم تفتح بالكومند. هبط من الكرهبة بخطوات ثقيلة، وجهه مقلوب والشرار يتطاير من عينيه. دخل للصالة الفخمة، لقى أمه مدام نيرة قاعدة ترشف في القهوة نتاعها بكل برود، وبجنبها وسيم شاد تليفونه ويضحك. أول ما شافت وجه فراس المخطوف، حطت الفنجان وقالت باستغراب: “لباس يا فراس؟ شبيك رجعت؟ وجهك ما يبشرش بالخير!”
فراس وقف قدامها، يديه في جيوبه يضغط عليهم باش ما يتهورش، وبصوت واطي ومرعب كيف الهدوء اللي يسبق العاصفة قالها: “رجعت على خاطر نسيت حاجة غالية أوي في الدار هذه يا أمي… حاجة تخصنا الكل، وباش نرجعها لبلا صتها بالسيف على الناس الكل”. نيرة وسيم تبادلوا النظرات بحيرة وخوف من نبرة صوته اللي تزلزل الأرض. الحكاية توا بركة بدات، والستار تنحى على أسرار القصر، وفراس خذى قرار مش باش يتراجع فيه، حتى لو كان الثمن خسارة عيلته بالكامل! 🧭🔥

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى