أخبار

صفعة الحقيقة: عندما تسقط أقنعة العقوق

تجمد كمال في مكانه والعرق البارد يشرشر من جبينه، بينما عيون السرفور ونظرات زبائن المطعم تحاصره بكثير من الاستغراب والشك. سارة بدأت تململ في كرسيها ووجهها يحمار من الحشمة، تمتمت بصوت واطي ومقلق: “كمال، شنوة فما؟ فضحتنا قدام الناس! أخلص وخلينا نمشيوا!” اضطر كمال يرهن ساعته الثمينة وحلقة خطوبته الفضية عند إدارة المطعم باش يخليهم يخرجوا، وركب في كرهبته وهو يغلي، يده ترعش وهو يحاول يطلب أمّه.. لكن التلفون كان يعطي “المخاطب الذي تطلبونه مغلق أو خارج منطقة التغطية”.
وصل للدار وهو يتخبط في حيرته، لكن الصدمة الكبيرة كانت تستنى فيه قدام العمارة في حي النصر. عدل تنفيذ ومعه محامي البنك كانوا واقفين يستنوا فيه. المحامي مدله ورقة رسمية حمراء، وقال بلهجة جافة: “السيد كمال، القسط هذا موش الأول اللي يرجع من غير خلاص، حسابك كان يقتطع منه آلياً بفعل تحويل خارجي، واليوم كُشف المستور.. العقد المبرم مع البنك يقتضي إرجاع الشقة للبنك أو إعادة جدولة الدين بفائدة مضاعفة مع خطايا تأخير تجاوزت الـ 12 ألف دينار، وإلا فأنك مهدد بالعقلة التحفظية على الكرهبة وكل ما تملك.”
سارة دخلت في حالة هستيرية وبدأت تصرخ: “كيفاش؟ الدار موش ملكك؟ شقة حي النصر اللي تتباها بيها قدام صحابي كاريها بقرض أمك تخلص فيه؟” كمال تحل عليه باب جهنم في ليلة واحدة؛ اكتشف أن السلفة الكبيرة اللي خذاتها أمّه بضمان دارها القديمة في أريانة كانت هي الصمام اللي حاميه من الخراب المالي طيلة 3 سنين، وأنها هي اللي كانت ساترته وساترة مرته اللي تتبغض على ريحة الملوخية.
في صباح اليوم التالي، جرى كمال لدار أريانة، يضرب في الباب بالحجر والحديد وهو يبكي ويصيح: “أمي سامحني! حل الباب، البنك باش ياخذلي الدار ومرتي طلبت الطلاق وراحت لدار بوه!”.. لكن الباب ما تحلش. خرجت جارته العجوز من الشباك وقالتله بنبرة مليانة احتقار: “روّح يا كمال، أمك سلمت مفاتيح الدار للمحامي، وسافرت للجنوب تعمل عمرة ومن بعد باش تستقر في دار أباء الكبار اللي تبرعتلها بكل ما تملك.. وقالتلي نبلغك كلمة واحدة: اللي يبيع أصله على خاطر مظاهر كاذبة، يلزم يتعلم يخلص ثمن الفاتورة وحده.” وقفت الكلمات في حلق كمال، وطاح على الدروج يبكي على عزّ ضيعه بيده، بعد ما أدرك أن رضا الأم ما يتشرى بفلوس الدنياء، وأن الخسارة المرة كانت خسارة القطب اللي كان هازز السقف فوق راسه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى