
تنفس بعمق، وبدت على ملامحه حسرة كتمها طويلاً، ثم قال بنبرة تهتز رجاءً ورحمة:
“زوجتك رحمها الله… كانت الملاك الذي سخره الله لإنقاذ حياة طفلي الوحيد في المستشفى عندما فقد الجميع الأمل، ولم أجد طريقة لأرد لها هذا الجميل بعد رحيلها إلا بأن آتي كل أسبوع إلى هنا، لأدعو لها بالرحمة والمغفرة وفاءً لدين لا تسدده أموال الأرض.” 🌸
وقف الكلام في حلقي، واستقرت في صدري موجة عارمة من الخجل والذهول. ينظر المرء منا أحيانًا إلى أقرب الناس إليه ويظن أنه يعرف عنهم كل تفصيلة صغيرة، ثم يكتشف أن أروع أجزاء أرواحهم كانت تُكتب في الخفاء بعيدًا عن الأعين.
بدأ الرجل يروي لي بكلمات متقطعة كيف دخلت طفلته ذات الأعوام الثلاثة إلى قسم العناية المركزة في حالة حرج للغاية، وكيف كان الأطباء يلوّحون باليأس، بينما كانت سارة تقضي نوبات عملها -وحتى أوقات استراحتها- إلى جوار سرير الصغيرة. لم تكتفِ بالرعاية الطبية المعتادة، بل كانت تسهر على راحتها، وتواسي والديها المحطمين، وتدعو لها في ظلمات الليل حتى تماثلت الطفولة للشفاء بفضل الله.
قال لي وهو يمسح دمعة جرت على خده: “حين سمعت بخبر وفاتها بعد صراعها مع المرض، شعرت وكأنني فقدت فردًا من عائلتي. لم أستطع العزاء يومها لكثرة الزحام، فقررت أن أخصص لها ساعة من يوم سبتي، أقضيها عند قبرها أستغفر لها وأسأل الله أن يجعل كل قطرة عرق بذلتها في سبيل علاج الأطفال شفيقةً لها ونورًا في قبرها.” 🤲
في تلك اللحظات، تبدد كل شك وتلاشى كل غضب كان ينهش قلبي طوال أربعة عشر شهرًا. نظرت إلى شجرة الزيتون العتيقة، ثم إلى شاهد القبر الذي حفرت عليه حروف اسمها، وربطت على كتف الرجل بحرارة. جلسنا معًا على التراب الذكي، نردد أدعية الرحمة والمغفرة لسارة.
رحلت زوجتي عن الدنيا، لكن أثرها الطيب يرفرف في المكان كالريحان. تعلمت في ذلك اليوم أن الخير الذي نزرعه في قلوب الآخرين صامتًا، هو الشيء الوحيد الذي يبقى حيًا حتى بعد أن تتوارى أجسادنا تحت الثرى. ✨




