أخبار

سر المعاش المجهول: كيف تحول الطمع إلى صفعة العمر؟

قطع هذا الصمت الثقيل صوت طارق الهادئ، لكن بنبرة تحمل قسوة الحقائق التي لا تجرح إلا أصحاب النفوس المريضة. نظر إليّ بأسف وقال: «يا منى، كنت أتمنى ألا نصل إلى هذه اللحظة، وأن تظلي في نظري ونظر أمك ابنة بارة، لكن يبدو أن العيون التي يعميها الطمع لا ترى إلا ما يمليه عليها الشيطان».
أخرج طارق ملفًا أزرق من درفة المكتبة وضع أمام أمي، ثم التفت إليّ وأكمل: «أمك لم تلمس جنيهًا واحدًا من معاشها أو إيجار شقتها منذ أن دخلت هذا البيت. كل قرش يدخل حسابها البنكي يُحفظ كما هو باسمها، بل إنها كتبت الشقة ومستحقاتها كاملة كوقف خيري للأيتام بعد وفاتها، برغبة منها وبخط يدها وموثق رسميًا!».
اتسعت عيناي بذهول وصدمة أجمجمت لساني، فتابعت نورهان والدموع تغالبها: «كل الأكل الذي رأيته، والعلاج، والطلبات، وحتى الفاكهة والرفاهية التي تنعم بها أمي، هي من مالي ومال زوجي طارق. نحرم أنفسنا لنكرمها، لأننا نشتري البر والخير، ولا ننتظر مقابلًا من أحد. أمنا ليست عبئًا ولا مصدر دخل، أمنا هي بابنا إلى الجنة الذي زهدتِ أنتِ فيه من أجل راحتكِ وزوجكِ».
في تلك اللحظة، رفعت أمي يدها المرتعشة، ونظرت إليّ بنظرة ملأها الخزي والخذلان، وقالت بصوت خافت يمزق الروح: «اخرجي من بيتي يا منى.. من رفضني في ضعفي وحاجتي، لا يحق له أن يسأل عن مالي في عافيتي. لقد بعتِ أمكِ بجهل وطمع، واليوم خسرتِ كل شيء».
خرجت من منزل أختي أجر أذيال الخيبة والندم. كانت خطواتي ثقيلة وكأن الأرض تبلعني، وكلمات أمي تطاردني كالكابوس. عدت إلى بيتي لأجد زوجي سامح بانتظاري يسألني عن “نصيبنا”، فلم أستطع سوى النظر إليه بمقت شديد، مدركةً أنه كان المشجع الأول لي على هذه الهاوية.
لقد خسرت أمي، وخسرت أختي، وخسرت كرامتي أمام نفسي. أدركت متأخرًا جدًا أن المال يذهب ويجيء، لكن رضا الوالدين إذا ذهب، فلن تعوضه كل كنوز الأرض، وأن البركة الحقيقية ليست في الحسابات البنكية، بل في القلوب التي تعرف معنى الوفاء والرحمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى